سيد محمد طنطاوي

121

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

بعض العلماء : وكان عدد هؤلاء الحواريين اثنى عشر رجلا آمنوا بعيسى وصدقوه ولازموه في دعوته إلى الحق . ثم حكى - سبحانه ما كان من بني إسرائيل فقال : * ( ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّه واللَّه خَيْرُ الْماكِرِينَ ) * والمكر : التدبير المحكم . أو صرف غيرك عما يريده بحيلة . وهو مذموم إن تحرى به الفاعلي الشر والقبيح كما فعل اليهود مع عيسى - عليه السلام - ومحمود إن تحرى به الفاعلي الخير والجميل . والمعنى : أن أولئك اليهود الذين أحس عيسى منهم الكفر دبروا له القتل غيلة واتخذوا كل الوسائل لتنفيذ مآربهم الذميمة . فأحبط اللَّه - تعالى - مكرهم ، وأبطل تدبيرهم بأن نجى نبيه عيسى - عليه السلام - من شرورهم * ( واللَّه خَيْرُ الْماكِرِينَ ) * أي أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا ، وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب . ثم حكى - سبحانه - بعض مظاهر قدرته ، ورعايته لعبده عيسى - عليه السلام - وخذلانه لأعدائه فقال - تعالى . * ( إِذْ قالَ اللَّه يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إِلَيَّ ) * . وللعلماء في تفسير هذه الآية الكريمة أقوال كثيرة أشهرها قولان : أما القول الأول : وهو قول جمهور العلماء - فيرى أصحابه أن معنى * ( إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إِلَيَّ ) * أي قابضك من الأرض ورافعك إلى السماء بجسدك وروحك لتستوفى حظك من الحياة هناك . وأصحاب هذا الرأي لا يفسرون التوفي بالموت وإنما يقولون : إن التوفي في اللغة معناه أخذ الشيء تاما وافيا . فمعنى * ( مُتَوَفِّيكَ ) * آخذك وافيا بروحك وجسدك ومعنى * ( ورافِعُكَ إِلَيَّ ) * ورافعك إلى محل كرامتي في السماء فالعطف للتفسير . يقال : وفيت فلانا حقه أي أعطيته إياه وافيا فاستوفاه وتوفاه أي أخذه وافيا كاملا . قال القرطبي : « قال الحسن وابن جريج : معنى متوفيك قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت ، مثل توفيت مالي من فلان أي قبضته » « 1 » . أما القول الثاني : وهو قول قلة من العلماء - فيرى أصحابه أن معنى * ( إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إِلَيَّ ) * أي مميتك ورافع منزلتك وروحك إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي كما ترفع أرواح الأنبياء إليه - سبحانه - .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 100 .